فصل: ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة

فمن الحوداث فيها‏:‏ أن أبا منصـور بـن يوسـف انتقـل عـن معسكـر قريـش إلـى داره بـدرب خلـف بعـد أن حملـه البساسيري وجمع بينهما حتى رضي عنه وأصلح بينه وبينه والتزم أبو منصور له شيئًا قرره عليه وركب البساسيري إليه في هذا اليوم نظريـة لجاهـه

وخاطبه بالجميل وطيب نفسه بما بذله له ووعدهبه وركب قريش بن بدران من غد إليه أيضًا وعاد جاهه طريًا إلا أنه خائف من البساسيري‏.‏

وفـي هـذا الشهـر‏:‏ كتبت والدة الخليفة إلى البساسيري من مكان كانت فيه مستترة رقعة تشرح فيها ما لحقها من الأذى والضرر والفقر حتى إن القوت يعتذر عليها فأحضرها وهي جارية أرمينية قد ناهزت التسعين واحدودبت وافرد لها دارًا في الحريم الطاهري وأعطاها جاريتين تخدمانها وأجرى عليها في كل يوم اثني عشر رطلًا خبزًا وأريعة أرطال لحمًا‏.‏

وفـي يـوم الإثنيـن ثانـي عشـر صفر‏:‏ أحضر البساسيري قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني وأبا منصـور بـن يوسـف وأبـا الحسين بن الغريق الخطيب وجماعة من وجوه العلويين والعباسيين وأخذ عليهم البيعة للمستنصر بالله واستحلفهم له ودخل إلى دار الخلافة بعد أيام وهؤلاء الجماعة معه‏.‏

وفي ليلة الأحد ثاني ربيع الأول‏:‏ نقلت جثة أبي القاسم ابن المسلمة إلى ما يقارب الحريم الطاهري ونصبت على دجلة‏.‏

وفـي بكـرة الثلاثـاء رابـع هذا الشهر خرج البساسيري إلى زيارة المشهد بالكوفة على أن ينحدر من هناك إلى واسط واستصحب معه غلة في زورق ليرتب العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي ويجريه إلى المشهد بالحائر وفاء بنذر كان عليه وأنفذ من ابتدأ بنقض تاج الخليفة فنقضت شرافاته فقيل له‏:‏ هذا لا معنى فيه والقباحة فيه أكثر من الفائدة فأمسك عن ذلك‏.‏

ثم إن السلطان طغرلبك ظفر بأخيه إبراهيم فقتله وقتل الوفا من التركمان وأنفذ إلى قريش يلمتـس خاتـون ويخلط بذلك ذكر الخليفة ورده إلى مكانه فرد خاتون وأجاب عما يتعلق بالخليفة بـأن مـا جـرى كـان مـن فعـل ابـن المسلمـة ومتـى وقـع تسـرع في المسير إلى العراق فلست آمن أن يتم على الخليفة أمر يفوت وسبب يسوء ولسنا بحيث نقف لك ولا نحاربك وإنما نبعد وندعك فربمـا ماسـت العساكـر مـن بلادهـا ففتحت البنوق وخرجت السواد وأنا أتوصل في جميع ما تراد من البساسيري‏.‏

وراسل قريش البساسيري يشير عليه بما التمسه السلطان طغرلبك ويحذره المخالفة له ويقول‏:‏ قـد دعـوت إلى السلطان على ستمائة فرسخ فخدمناه وفعلنا ما لم يكن يظنه ومضى لنا ستة أشهر مذ فتحنا العراق ما عرفنا منه خبرًا ولا كتب إلنيا حرفًا ولا فكر فنيا وقد عادت رسلنـا بعـد سنـة وكسـر صفـرًا من شكر وكتاب فضلًا عن مال ورجال ومتى تجدد خطب فما يشقـى بـه غيـري وغيـرك والصـواب المهادنـة والمسالمـة وردّ الخليفة إلى أمره والدخول تحت طاعته وأن يستكتب أمنه‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ كان بمكة رخص لم يشاهد مثله وبلغ البر والتمر مائتي رطل بدينار وهذا غريب هناك وورد كتاب المسافرين من دمشق بسلامتهم وأنهم مطروا في نصف تموز حتى كانت الجمال تخوض في الماء وامتلأت المصانع والزبى‏.‏

وفيها‏:‏ زاردت الغارات حتى إن قومًا من التجار أعطوا على وجه الخفارة من النهوان أربعة عشر ألف دينار ومائة كرومائتي رأسًا من الغنم‏.‏

وفي شوال‏:‏ عاد لقريش بن بدران رسول يقال له‏:‏ نجدة من حضرة السلطان وكان قريش قد أنفـذ هـذا الصاحـب فـي صحبـة السيـدة أرسلـان خاتون امرأة القائم بأمر الله وأصحبه رسالة إلى السلطان يعده بردّ الخليفة إلى داره ويشير عنه بالقرب ليفعل ذلك ويتمكن منه وكان قد ورد كتـاب مـن السلطـان إلـى قريـش عنوانـه للأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران مولى أميـر المؤمنيـن مـن شاهنشـاه المعظـم ملـك المشـرق والمغـرب طغرلبـك أبي طالب محمد بن ميكايل بن سلجـوق وعلـى رأس الكتـاب العلامـة السلطانيـة بخـط السلطـان‏:‏ حسبـي اللـه وكـان فـي الكتـاب والـآن قـد سـرت بنـا المقاديـر إلـى كـل عـدو للدين والملك ولم يبق لنا وعلينا من المهمات إلا خدمة سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين واطلاع أبهة إمامته على سرير عزة فإن الذي يلزمنا ذلـك ولا فسحـة فـي التضجيـع فيـه ساعـة واحـة مـن الزمـان وقـد أقبلنـا بخيـول المشـرق إلى هذا المهم العظيم ونريد من الأمير الجليل علم الدين إتمام السعي النجبج الذي وفق له أمير المؤمنين من أحد الوجهين إما أن يقبل به إلى ذكر عزة ومثوى إمامته وموقف خلافته من مدنيـة السلـام وينتدب بين يديه موليًا أمره ومنفذًا حكمه وشاهرًا سيفه وقلمه وذلك المراد وهو خليفتنا في تلك الخدمة المفروضة وتوليه العراق بأسرها وتصفى له مشارع برها لا يطأ حافر خيل من خيول العجم شبرًا من أراضي تلك المملك إلا بالتماسه لمعاونته ومظاهرته واما أن يحافظ على شخصـه الكريـم العالـي بتحويلـه مـن القلعـة إلى حلته أو في القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته فنتكفل بإعادتـه وليكـون الأميـر الجليـل مخيـرًا بين أن يلتقي بنا أو يقيم حيث شاء فنوليه العراق ونستخلفه في الخدمة الإمامية ونصرف أعنتنا إلى المملك الشرقية فهممنا لا تقتضي إلا هذا الغرض من العرض ولانسف إلى مملكة من تلك الممالك بل لهمة دينية وهو أدام الله تمكينه يتقن ما ذكرنا ويعلم أن توجهنا أثر هذا الكتاب لهذا الغـرض المعلـوم ولا غـرض سـواه فـلا يشعـرون قلـوب عشائره رهبة فانهم كلهم إخواننا وفي ذمتنا وعهدنا وعلنيا به عهد الله وميثاقـه مـا دامـوا موافقيـن للأميـر الجليـل فـي موالينـا ومـن اتصـل بـه مـن سائـر العرب والعجم والأكراد فإنهم مقرون في جملتـه وداخلـون فـي عهدنـا وذمتنـا ولكـل مختـرم فـي العـراق عفونـا وأماننـا ممـا بـدر منه إلا البساسيري فأنه لا عهد له ولا أمان وهو موكول إلى الشيطان وتساويله وقد ارتكب في دين الله عظيمًا وهو إن شاء الله مأخوذ حيث وجد معذّب على ما عمل فقد سعى في دماء خلـق كثيـر بسـوء دخيلتـه ودلّـت أفعالـه على فساد عقيدته فإن سرب في الأرض فإلى أن يلحقه المكتـوب علـى جبهتـه وإن وقـف فالقضـاء سابـق إلى مهجته والله تعالى يجازي الأمير الجليل على كـل سعـي تجشـم فـي مصالـح الديـن وفـي خدمـة إمام المسلمين‏.‏

وقد حملنا الأستاذ العالم أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب بن فورك ومعتمد الدولة أبا الوفاء زيرك ما يؤديانه من الرسائل وهو يصغي إليهما ويعتمد عليهما ويسرحهما إلى القلعة ليخدما مجلس سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عنا وكتب في رمضان سنة إحدى وخمسين‏.‏

وحمل مع هذين الرسولين خدمة إلى الخليفة أربعون ثوبًا أنواعًا وعشرة دسوت ثياب مخيطة وخمسة آلاف دينار وخمسة دسوت مخيطة من جهة خاتون زوجة القائم‏.‏

فحكـى نجـدة لقريـش أن السلطـان طغرلبك بهمذان في عساكر كثيرة وهو بنية المسير إلى العراق متـى لـم يـرد الخليفـة إلى بغداد فخاف قريش وارتاع فاتباع جمالًا عدة وأصلح بيوتًا كثيرة وأنفذ إلى البرية من يحفر فيها ويعمرها ليدخلها ثم أنفذ الكتاب الوارد إليه مع نجدة إلى البساسيري ليدبر الأمر على مقتضاه فأنفذ البساسيري إلى بغداد فأخذ دوابه وجماله ورحله إلى مقره بواسـط وكاتـب أهلـه يطيـب نفوسهـم ويقـول‏:‏ متى صح عزم هذا الرجل على قصد العراق سرت إليكم وأخذتكم فلا تشغلوا قلوبكم‏.‏

وتقـدم بـأن يسلخ ثور أسود ويؤخذ جلده فيكسى به رمة أبي القاسم ابن المسلمة ويجعل قرناه على رأسه وفوقهما طرطور أحمر ففعل ذلك‏.‏

ثم أجاب البساسيري إلى عود الخليفة والخادم دون غيره وردّ خوزستان والبصرة إليه على قديم عادته وأن يخطب للخليفة فقط دون أن يشاركه في الخطبة ركن الدين وبعث مع رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة من يتولى إحلاف الخليفة له على ما اشترط وعرف البساسيري قرب السلطان فكاتب أصحابه بالبصرة ليصعدوا إليه ليقصد بغداد فأعجل الأمر عن ذلك وانحدر حرم البساسيري وأولاده وأصحابهم وأهل الكرخ والمتشبهون في دجلة وعلى الظهر وبلغت أجرة السمارية إلى النعمانية عشرة دنانير ونهب الأعراب والأكراد أكثر المشاة ولما وصل السائرون على الظهر إلى صرصر غرق في عبورهم قوم منهم وعروا نساءهم وتقطعت قطعة منهـم فـي السـواد وكـان خـروج أصحـاب البساسيري في اليوم السادس من ذي القعدة وكذلك كان دخولهم إلى بغداد في سادس ذي القعدة وكان تملكهم سنة كاملة وثار الهاشميون وأهل باب البصـرة إلـى الكـرخ فنهبوهـا وطرحوا النار في أسواقها ودروبها واحترقت دار الكتب التي وقفها سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة وكان فيها كتب كثيرة واحترق درب الزعفراني وكان فيه ألف ومائتا دينار لكل دار منها قيمة ونهبت الكوفة نيفًا وثلاثين يومًا‏.‏

وأما الخليفة فإن مهارشًا العقيلي صاحب الحديثة الذي كان مودعًا عنده حلف له ووثق من نفسه في حراسة مهجته وأن لا يسلمه إلى عدو وكان قد تغير على السباسيري لوعود وعده بهـا ولـم يـف لـه وأجفـل قريـش فـي البريـة مصعـدًا إلـى الموصـل بعـد أن بعـث إلـى مهارش يقول له‏:‏ قد علمت أننا أودعنا الخليفـة عنـدك ثقـة بأمانتـك وقـد طلبـوه الـآن وربمـا قصـدوك وحاصـروك وأخذوه منك فخذه منك فخذه وارحل به وأهلك وولدك إليّ فإنهم إذا علموا حصوله بأيدينا لـم يقدموا على طرق العراق ثم نقرر الأمر في عوده على قاعدة نكون معها سالمين ونقترح ما نريد من البلاء عوضًا عن رده وما أروم تسليمه منك بل يكون في يدك على حملته بحيث لا يمكن أن يؤخذ قهرًا من أيدينا‏.‏

فقـال مهـارش للرسـول‏:‏ قـل لـه ان البساسيـري غدرنـي ولـم يـف بما ضمنه لي وبعثت بصاحبي إلى بغـداد وقلت له قد برئت من اليمين التي لكم في عنقي فأنفذوا وتسلموا صاحبي إلى بغداد وقلـت لـه قـد برئـت من اليمين التي لكم في عنقي فأنفذوا وتسلموا صاحبكم الذي عندي فلم يفعـل وعـرف الخليفـة خلـاص رقبتـي مـن اليميـن التـي كانت عليّ فاستحلفني لنفسه وتوثق مني بما وقـال مهـارش للخليفـة‏:‏ الـرأي الخـروج والمضي إلى بلد بدران بن مهلهل لننظر ما قد يجد من أمر هذا السلطان الوارد ونكون في موضع نأمن به وندبر أمورنا بمقتضى الأمر فما آمن أن يجيئنا البساسيري فيحضرنا فلا نملك اختيارنا فقال له‏:‏ افعل ما ترى فسارا من الحديثة في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا بقلعة تل عكبروا فلقيـه ابـن فورك هناك وسلم إليه ما أنفذه السلطان يخبره الحال ويسأله إنفاذ سرادق كبير وخيم وفـروش وكـان السلطـان حينئـذ قـد وصـل إلى بغداد ففرج السلطان بذلك ونهب عسكر السلطان مـا بقي من نهر طابق وباب البصرة وجميع البلد ولم يسلم من ذلك إلا حريم الخليفة وكان أكثره خاليـًا وأخـذ النـاس فعوقبـوا واستخرجـت منهـم الأمـوال بأنـواع العـذاب وتشاغـل بعمـارة دار المملكة فوقع النقض في أكثر ما سلم وبعث السلطان عميد الملك ومن استعقلة من الأمراء والحجّاب في نحو ثلثمائة غلام وأصحبهم أربع عشرة بختية عليها السرادق الكبير والعدد من الخيـم والخركاهـات والآلات والفروش ستة أبغل عليها الثياب والأواني وبغلًا عليه مهد مسجف وثلاثة أفراس بالمراكب الذب‏.‏

قـال ابـن فورك‏:‏ فاستقبلتهم فاستشرحني عميد الملك ما جرى فشرحته‏.‏

فقال‏:‏ تقدم واضرب السرادق والخيام وانقل أمير المؤمنين من حيث هو إليها ليلقاه فيها وإذا حضرنا فليؤخرالإذن لنا ساعة كبيرة فسبقت وفعلت ذلك ودخل عميد الملـك فـأورد مـا أوجـب إيـراده مـن سـرور السلطان وابتهاجه بما يسره الله تعالى له من خلاصه وشكر مهارشًا على جميل فعله وسأل الخليفة السير فقال‏:‏ بل نستريح يومين ونرحل فقد لحقنا من النصب ما يجب أن يحلل بالراحة قال‏:‏ كما ترى‏.‏

وكتب عميد الملك إلى السلطان كتابًا فشرح له ما جرى فيه وأجب أخذ خط الخليفة على رأسه تصديقًا لما يتضمنه فلم يكن عنده دواة حاضر عميد الملك من خيمته دواة فتركها بين يديـه وأضـاف إليهـا سيفـًا منتخبـًا وقـال‏:‏ هـذه خدمـة محمـد بـن منصور - جمع في هذه الدولة بين خدمة السيف والقلم فشكـره الخليفـة وأقاموا يومين ثم وقع الرحيل فوصلوا إلى النهروان يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعـدة‏.‏فأشعـر السلطـان بذلـك فقـال‏:‏ قولـوا لأبـي نصـر - يعنـي عميـد الملـك - يقيـم إلـى أن ينزل الخليفة ويستريح ويصلي ويتناول الطعام ثم يعرفني حتى أجيء وأخدمه‏.‏

فلما جاء وقت العصر جاء عميد الملك فأخبرها السلطان بعد أن أستأذن له الخليفة فركب فلمـا وقعت عينه على السرادق نزل عن فرسه ومشى إلى أن وصله فدخل فقبّل الأرض سبع مرات فأخذ الخليفة مخدة من دسته فطرحها له بين يديه وقال‏:‏ اجلس فأخذ المخدة فقبّلها ثم

تركها وجلس عليها وأخرج من قبائه الجبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه فطرح بين يديه وأخـرج اثنتـي عشـرة حبـة لؤلـؤًا كبـارًا مثمنة فقال‏:‏ أرسلان خاتون - يعني زوجة - الخليفة تخدم وتسأل أن تسبح بهذه السبحة فقد أنفذتها معي وكان يكلم عميد الملك وهو يفسره واعتذر عـن تأخـره عن الورود إلى الحضرة الشريفة واستخلاص المهجة الكريمة بما كان من عصيان أخيه إبراهيم وقال‏:‏ كان من الأخوة الحسدة وقد جرت له بالعصيان عوائد عفوت عنه فيها فأطمعه ذلك فلمـا عـاد فعلـه بالضـرر علـى أميـر المؤمنيـن والدين والدولة العباسية خنقته بوتر قوسه وشفع ذلك وفاة الـأخ الأكبر داود فأحوجني الأمر إلى ترتيب حتى رتبت أولاده مكانه فلم يمكن أن أصمد لهذه الخدمـة ثـم أعـدت لأصل إلى الحديثة وأخدم المهجة الشريفة فوصل إليّ الخبر بما كان من تفضل الله تعالى في خلاصها وخدمة هذا الرجل - يعني مهارشًا - بما أبان عن صحيح ديانته وصـادق عقيدتـه وأنـا إن شـاء اللـه أمضـي وراء هـذا الكلب - يعني البساسيري - وأقتنصه وأيمم إلى الشام وأفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء لفعل البساسيري ها هنا‏.‏

فدعا له الخليفة وشكره وقلّده بيده سيفًا كان إلى جنبه وقال‏:‏ إنه لم يسلم مع أمير المؤمنين وقت خروجه غير هذا السيف وقد تبرك به وشرّفك بتقليده‏.‏

قبّل الأرض ونهض واستأذن للعسكـر فـأذن فدخـل الأتـراك مـن جوانـب السـرادق وكشفـت أغطيـة الخركـاه المضروبـة علـى الخليفة حتى شاهدوه وخدموه وانصرفوا ووقع المسير من غد والدخول إلى بغداد‏.‏

وتقـدم الخليفـة بضـرب خيمـة فـي معسكـر السلطـان وقال‏:‏ أريد أن أكون معه إلى أن يكفي الله من أمر هذا اللعين فما تأمن الخدمة الشريفة المقام في مكان لا يكون فيه‏.‏

فقال السلطان‏:‏ الله الله ما هذا مما يجوز أن يكـون مثلـه ونحـن الـذي يصلـح للحـرب والسفـر والتهجم والخطر دون أمير المؤمنين وإذا خرج بنفسه فأي حكم لنا وأي خدمة تقع منا‏.‏

وامتنع أن يجيبه إلى ذلك فدخل الخليفة البلد وتقدم السلطان إلى باب النوبي وقعد مكان الحاجب علـى دكتـه إلـى أن ورد الخليفـة والعسكـر محتفـون بـه ولم يكن في بغداد من يستقبله سوى قاضي القضاة وثلاثة أنفس من الشهود وذلك لهرب الناس عن البلد ومن بقي منهم فهو في العقوبات وآثـار النهـب فلمـا وصـل إلـى الـدار أخذ بلجام بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة وذلك في يوم الاثنيـن لخمـس بقيـن مـن ذي القعـدة فانصـرف وعبـر إلـى معسكـره فجاءه سرايا ابن منيع متقدم بني خفاجة فقال له‏:‏ الرأي أيها السلطان أن تنفذ معي ألفي غلام من العسكر حتى أمضي إلى طريق الكوفة فاشغل السباسيري عن الإصعاد إلى الشام ويأخذه من عرقوبه لما تنحدر أنت وراءه فلم يعجب السلطان ذلك إلا أنه خلع عليه وأعطاه سبعمائة دينار وأنزل في العسكر‏.‏

فلمـا انتصـف الليـل انتبـه السلطـان فاستدعـى خمارتكيـن فقال له‏:‏ اعلم أني قد رأيت الساعة في منامي كأني قد ظفرت بالبساسيري وقتلته وينبغي أن يسير عسكر إليه من طريق الكوفة كما قال سرايا فإن نشطت أنت فكن مع القوم فقال‏:‏ السمع والطاعة‏.‏

فسار وسار معه أنوشروان وجماعة من الأمراء وتبعهم السلطان في يوم الجمعة تاسع وعشرين مـن الشهـر فأمـا مهـارش فإنه اقترح اقترحات كثيرة فأطلق له السلطان طغرلبك عشرة آلاف دينار ولم يرض وأما البساسيري فإنه أقام بواسط متشاغلًا بجمع الغلات والتمور وحطها في السفن ليصعـد بها إلى بغداد مستهينًا بالأمور إلى أن ورد عليه الخبر بانحدار أهله وولده ودخول الغز فأصعد إلى النعمانية بالسفن التي جمع فيها الغلات فورد عليه الخبر بدخول السلطان بغداد فكاتـب ابـن مزيـد ليجمـع العـرب ولـم يتصور أن السلطان نيته الانحدار فجاء ابن مزيد إلى نصف الطريق ثم عاد ثم جاء ثم عاد خوفًا وخورًا فانحدر البساسيري إليه وكان قد وكل بأبي منصـور بـن يوسـف فـأزال ابن مزيد التوكيل عنه وقال له‏:‏ هذا وقت التقبيح وكان البساسيري شاكًا في مزيد مستشعرًا منه إلا أن الضرورة قادته إليه‏.‏

وعلمت العرب أن السلطان نيته قصدهم وبوادي الشام فتقرقوا ولم يشعروا إلا بورود السرية إليهـم وذلـك فـي يـوم السبت ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة فقال البساسيري لابن مزيد‏:‏ الرأي فراسـل أنـو شـروان ابـن مزيد والتمس الاجتماع معه فالتقى به فقال له أنوشروان‏:‏ إن عميد الملك يقرئك السلام ويقول لك‏:‏ قد مكنت في نفس السلطان من أمرك مـا جعلـت لـك فيـه المحـل اللطيف والموقع المنيف وشرحت له ما أنت عليه من الطاعـة والـولاء ولا القصـد يتعـداه لمـا اقترف من عظيم الجرم وإن امتنعت واحتججت بالعربية وذمامها وحزمة نزوله عليك فانصرف عنه ودعنا وإياه‏.‏

فقال‏:‏ ما أنا إلا خادم للسلطـان مطيـع إلا أن للبدويـة حكمهـا وقـد نـزل هـذا الرجـل عليّنـزولًا وما آثرته ولا اخترته بل كرهته وقد طال أمر هذا الرجل والصواب أن نشرع في صلاح حاله واستخدامه فقـال أنوشروان‏:‏ هذا هو الصواب ونحن نبعد عنكم مرحلة وتبعدون عنا مثلها حتى لا يتطرق بعضنـا إلـى بعـض وأراسل السلطان بما رأيته فأنه على نية اللحاق بنا ولا شك في وصوله إلى النعمانية وما نخالفك على شي تراه‏.‏

وما في الرجلين إلا من قصد خديعة صاحبه فأما ابن مزيد‏:‏ فأنه أراد المدافعة بالحال لتحققه بانحـدار السلطان حتى يبعد عنه السرية فيصعد إلى البرية إلى حيث يأمن إلى حلته وعشيرته ويدبر أمر انفصاله عن البساسيري وأما أنوشروان‏:‏ فأراد أن يبعد عن القوم ليفسح لهم طريق

وعاد ابن مزيد فأخبر البساسيري بما جرى فرد التدبير إليه وقال‏:‏ الأمر أمرك وتأهبت السرية واستظهرت بأخذ العلوفة ورحل البساسيري وابن مزيد يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجـة والأتراك يراصدونهم فلما أبعدوا عن أعينهم تبعوهم فحاربوهم فثبت البساسيري وجماعتـه وأسرع ابن مزيد إلى أوائل الظعن ليحطه ويرد العرب إلى القتال فلم يقبلوا منه وأسـر منصـور وجماعـة أولـاد ابـن مزيـد وانهـزم البساسيـري على فرسه فلم ينجه وضرب فرسه بنشابة فرمته إلى الأرض وأدركه بعض الغلمان فضربه ضربة على وجهه ولم يعرفه وأسره كمشتكين دواتي عميد الملـك وحـز رأسـه وحملـه إلـى السلطان وساق الترك الظعن وأخذت أموال عظمية عجزوا عن حملها وهلك من البغدادييـن الذين كانوا معهم خلق كثير وأخذت أموالهم وتبدوا في البراري والآجام وأخذت العرب من سلم‏.‏

وقد ذكرنا أن أصحاب البساسيري دخلوا إلى بغداد في اليوم السادس من ذي القعدة وخرجوا منها في سادس ذي القعدة وكان ملكهم سنة كاملة واتفق إخراج الخليفة من داره يوم الثلاثاء ثامن عشر كانون الثاني ومقتل البساسيري يوم الثلاثاء ثامن عشر كانون الثاني من السنة الآتية وهذا من الاتفاقات الظريفة‏.‏

ولما حمل الرأس إلى السلطان حكى له الذي أسره أنه وجد في جيبه خمسة دنانير وأحضرها فتقدم السلطان إلى أن يفرغ المخ من رأسه ويأخذ الخمسة دنانير ثـم أنفـذه حينئـذ إلـى دار الخلافـة فوصل في يوم السبت النصف من ذي الحجة فغسل ونظف ثم ترك على قناة وطيف بـه مـن غـد وضربـت البوقات والدبادت بين يديه واجتمع من النساء والنفاطين وغيرهم بالدفوف ومـن يغنـي بيـن يديـه ونصب من بعد ذلك على رأس الطيار مدة بإزاء دار الخلافة ثم أخذ إلى الدار‏.‏

وعرض في يوم السبت المذكور من الجو انقضاض كواكـب كثيـرة ورعـد شديـد قبـل طلـوع الشمس بساعة وكان ذلك مفرطًا‏.‏

وهرب ابن مزيد إلى البطيحة ونجامعه ابن البساسيري وبنته وأخواه الصغيران ووالدتهما وكانت العرب سلبتهم فاستهجـن ابـن مزيـد ذلـك وارتجـع مـا أخـذ ثـم هـرب ابـن البساسيري إلى حلب ثم توسط أمر ابن مزيد مـع السلطـان فأطلـق أولـاده وأخوتـه وحضـر فداس البساط وأصعد معه إلى بغداد ونهب العسكر مابين واسط والبصرة والأهواز‏.‏

وفـي هـذا الشهـر‏:‏ أنفـذ السلطـان مـن واسـط والدة الخليفة ووالدة الأمير أبي القاسم عدة الدين بن ذخيرة الدين ووصال القهرمانة وكنّ في أسير البساسيري فتبعهم جمع كثير من الرجال والنساء وفي هـذا الشهـر‏:‏ عـول مـن الديـوان علـي بـن أبـي علـي الحسـن بـن عبـد الـودود بـن المهتـدي فـي الخطابـة بجامع المنصور بدلًا من أبي الحسن بن أحمد بن المهتدي وعزلا له لأجل ماأقدما عليه في أيام البساسيري من تولي الخطبة في هذا الجامع لصاحب مصر‏.‏

قـال محمـد بـن عبـد الملـك الهمذانـي‏:‏ ولمـا علد القائم من الحديثة لم ينم علىوطاء ولم يمكن أحدًا أن يقرب إليه فطوره ولا طهوره ولأنه نذر أن يتولى ذلك بنفسه وعقد مع الله سبحانه العفو عمن أساء إليه والصفح وجميع من تعدى عليه فوفى بذلك وأشرف في بعض الأيام على البنائيـن والنجاريـن فـي الـدار فـرأى فيهـم روزجاريـًا فأمـر الخادمن بإخراجه من بينهم فلما كان في بعض الأيام عاد فرآه معهم فتقدم إلى الخادم أن يبره بدينار وأن يخرجه ويتهدده إن عاد فأتاه الخادم ففعل ما رسم له وقال‏:‏ إن رأيناك ها هنا قتلناك فسئل الخليفة عن السبب فقال‏:‏ إن هذا الروزجاري بعينه أسمعنا عند خروجنا من الدار الكلام الشنيع وتبعنا بذلك إلى المكان الذي نزلناه من مشهد باب التبن ولم يكفه ذلك حتى نقب السقف فإذا أنا بغبارة وتبعنا إلى عقرقوف فبدر من جهلـه مـا أمسكنـا عـن معاقبته رجاء ثواب الله تعالى وما عاقبت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه‏.‏

أرسلان أبو الحارث المظفر وهو البساسيري التركي كان مقدمًا على الأتراك وكان القائم بأمر الله لا يقطع أمـرًا دونـه فتجبـر وذكر عنـه أنـه أراد تغيير الدولة ثم أظهر ذلك وخطب للمصري فجلاى له ما ذكرنا في الحوادث إلى أن قتل‏.‏

الحسن بن علي بن محمد بن خلف بن سليمان أبو سعيد الكتبي ولد سنة خمس وسبعين وثلثمائة سمع من ابن شاهين وغيره وكان صدوقًا وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

الحسن بن أبي الفضل أبو علي الشرمقاني المؤدب وشرمقان قرية من قرى نسا‏.‏

نزل بغداد وكان أحد حفّـاظ القـرآن العالميـن باختلـاف القـراء ووجوه القراآت وحدّث عن جماعة وكان صدوقًا‏.‏

وجرت له قصة ظريفة رواها محمد بن أبي الفضل الهمذاني عن أبيه قال‏:‏ كان الشرمقانـي المقرىء يقرأ على ابن العلاف وكان يأوي إلى مسجد بدرب الزعفراني فاتفق أن ابن العلاف

وأخذ من أوراق الخس ما يرمي به أصحابه وجعل يأكله فشق ذلك عليه وأتى إلى رئيس الرؤسـاء فأخبـره بحالـه فتقـدم إلـى غلـام لـه غلـام لـه بالمضـي إلـى المسجـد الـذي يـأوي إليـه الشرمقاني وأن يعمل لبابه مفتاحًا من غير أن يعلمه ففعل وتقدم أن يحمـل فـي كـل يـوم ثلاثـة أرطال خبزًا سميذًا ومعها دجاجة وحلوى وسكر ففعل الغلام ذلك وكان يحمله على الدوام فأتـى الشرمقانـي في أول يوم فرأى ذلك في القبلة مطروحًا ورأى الباب مغلقًا فتعجب وقال في نفسه‏:‏ هذا من الجنة ويجب كتمانه وأن لا أتحدث به فإن من شرط الكرامة كتمانه وأنشد‏:‏ من أطلعوه علـى سـر فبـاح بـه لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا فلما استوت حاله وأخصب جسمه سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو عارف به وقصده المزاح معه فأخذ يورى ولا يصرّح ويكني ولا يفصح ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجد في المسجد كرامة نزلت من الجنة إذ لا طريق لمخلوق عليه‏.‏

فقال ابن العلاف‏:‏ يجب أن تدعو لابن المسلمة فإنه هو الذي فعل ذلك فنغص عليه عشيه وبانت عليه شواهد الانكسار وتوفي الشرمقاني في صفر هذه السنة‏.‏

الحسين بن أبي عامر علي بن أبي محمد بن أبي سليمان حدّث عن ابن شاهين وكان سماعه صحيحًا وكان يسكن باب الشام وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة‏.‏

حمدان بن سليمان بن حمدان هو‏:‏ أبو القاسم الطحان حدّث عن المخلص والكتاني قال الخطيب‏:‏ كتبت عنه وكان صدوقًا توفي في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

عبيد الله بن أحمد بن علي أبو الفضل الصيرفي ابن الكوفي سمع الكتاني والمخلص‏.‏

أخبرنـا القـزاز أخبرنـا الخطيـب قـال‏:‏ كتبـت عنـه وكـان سماعه صحيحًا وكان من حفاظ القرآن والعارفين باختلاف القراآت ومنزله بدرب الدنانير من نواحي نهر طابق وسمعته يذكر أنه في ولد في سنة سبعين وثلثمائة وتوفي في هذه السنة‏.‏

علي بن محمود بن إبراهيم بن ماخرة أبو الحسن الزوزني

وكان ماخرة مجوسيًا ولد أبو الحسن الحصـري وروى عـن أبـي عبـد الرحمـن السلمـي وصـار شيخ الصوفية والرباط المقابل لجامع المنصور ينتسب إلى الزوزني هذا وإنما بني للحصـري والزوزني صاحب الحصري فنسب إليه وكان يقول‏:‏ صحبـت ألـف شيـخ أحدهـم الحصـري أحفظ عن كل شيخ حكاية توفي الزوزني في رمضان هذه السنة ودفن بالرباط‏.‏

محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي أبو طالب الحربي العشاري ولـد فـي محرم سنة ست وستين وثلثمائة وكان جسده طويلًا فقيل له‏:‏ العشاري لذلك وسمع من ابن شاهين والدارقطني وابن حبابة وخلقًا كثيرًا وكان ثقة ديّنًا صالحًا توفـي ليلـة الثلاثـاء تاسـع عشر جمادى الأولى من هذه السنة وقد أناف عن الثمانين ودفن بباب حرب‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة

أن السلطان أصعد من واسط فدخل بغداد في يوم الخميس السابع عشر من صفر وجلس له الخليفـة فوصـل إليـه يـوم الإثنيـن الحـادي والعشرين من الشهر فخلع عليه وحمل إلى دار الخليفة على رواق الروشـن المشـرف علـى دجلـة بعـد أن أعيـدت شرافاتـه التـي قلعهـا البساسيري ورم شعثة في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من هذا الشهر سماطًا حضر السلطان طغرلبك والأمراء أصحاب الاطراف ووجوه الأتراك والحواشي وتبع ذلك سماط عمله السلطان في داره وأحضر الجماعة فـي يـوم الخميـس ثانـي ربيـع الـأول وتأخـر بعـده عميـد الملـك لتدبيـر الأمور ودخل إلى الخليفة فودّعه فشكره واعتد بخدمته ولقّبه سيد الوزراء مضافًا إلى عميد الملك‏.‏

وفي سادس عشرين هذا الشهر‏:‏ قبل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادة أبي بكر محمد بن المظفر الشامي‏.‏

وفـي يـوم الأربعـاء ثالـث جمـادى الآخرة‏:‏ انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الشمس من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق فطال مكثه‏.‏

وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة‏:‏ ورد الأمير عدة الدين أبو القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدين وجدته وعمته وسنة يومئذ أربع سنين مـع أبـي الغنائـم ابـن المحلبـان واستقبلـه النـاس وجلـس فـي زبـزب كبير وعلى رأسه أبو الغنائم إلى باب الغربة قدم له فرس فركبه فحمله أبو الغنائـم علـى كتفـه فأركبـه الفـرس ودخـل بـه إلى الخليفة فشكره على خدمته له ثم خرج وكان أبو الغنائـم ابـن المحلبـان قـد دخـل إلـى دار بباب المراتب في أيام البساسيري‏.‏

فوجد فيها زوجة أبي القاسم ابن المسلمة وأولاده وكان البساسيـري شديـد الطلـب لهـم فقالـوا لـه‏:‏ قـد تحيرنـا ومـا ندري ما نعمل ولما استشرنا صاحبنا أين نأخذ - يعنون ابن المسلمة - قال مالكم غير ابن المحلبـان فخلطهم بحرمه ثم أخرجهم إلى ميا فارقين وجاءه محمد الوكيل فقال له‏:‏ قد علمت أن ابن الذخيرة وبنت الخليفة ووالدتها يبيتون في المساجد‏.‏

وينتقلون من مسجد إلى مسجد مع المكدين ولا يشبعون من الخبز ولا يدفأون من البرد وقد علمـوا مـا قـد فعلتـه مـع بنـت ابـن المسلمة فسألوني خطابك في مضائهم وقد ذكروا أنهم أطلعوا أبا منصور بن يوسـف علـى حالهم فأرشدهم إليك وكان البساسيري قد أذكى العيون عليهم وشدد في البحث عنهم فلم يعرف لهم خبرًا‏.‏

فقال ابن المحلبان لمحمد الوكيل‏:‏ واعدهم المسجد الفلاني حتى أنفذ زوجتي إليهم تمشي بين أيديهم إلى أن يدخلوا دارها‏.‏

ففعـل وحمل إليهم الكسوة الحسنة وأقام بهم وخاطر بذلك فلما علموا بمجيء السلطان انزعجوا وقالـوا‏:‏ إن خوفنـا مـن هـذا كخوفنا من البساسيري لأجل أن خاتون ضرة لجدة هذا الصبي تكره سلامته فأخرجهم إلى قريب من سنجار ثم حملهم إلى حـران فلمـا سكنـت الثائـرة مضـى وأقدمهم إلى بغداد‏.‏

وفي جمادى الآخرة‏:‏ وقع في الخيل والبغال موتان وكان مرضها نفخة العينين والرأس وضيق الحلق‏.‏

وفـي رجـب‏:‏ وقـف أبـو الحسـن محمـد بـن هلـال الصابـي دار كتـب بشـارع ابن أبي عوف من غربي مدنية السلام ونقل إليها نحو ألف كتاب‏.‏

وكان السبب أن الدار التي وقفها سابور الوزير بين السورين احترقت ونهـب أكثـر مـا فيهـا فبعثه الخوف على ذهاب العلم أن وقف هذه الكتب‏.‏

وفي شعبان‏:‏ ملك محمود بن نصر حلب والقلعة فمدحه ابن أبي حصينة فقال‏:‏ صبرت على الأهوال صبر ابن حرة فأعطاك حسن الصبر حسن العواقب وأتعبت نفسًا يا ابن نصر نفيسة إلى أن أتاك النصر من كل جانب وأنت امرؤ تبني العلى غير عاجز وتسعى إلى طرق الردى غير هائب تطول بمحمود بن نصـر وفعلـه كلـاب كمـا طالـت تميـم بحاجـب وعـاد طغرلبـك إلـى الجبـل فـي هـذه السنة بعد ان عقد بغداد وأعمالها على أبي الفتح المظفر بن الحسيـن العميد فـي هـذه السنة بمائـة ألـف دينـار ولسنتين بعدها بثلثمائة ألف دينار فشرع العميد في عمارة سوق الكرخ وتقـدم إلـى مـن بقـى من أهلها بالرجوع إليها ونهاهم عن العبور إلى الحريم والتعايش فيه وابتدأت العمارة ثم تزايدت مع الأيام حتى عاد السوق كما كان دون الدروب والخانات والمساكن‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أي بن جعفر بن باي أبو منصور الجيلي الفقيه أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ سكن باي بغداد ودرس فقه الشافعـي علـى أبـي حامـد الأسفرائيني وسمع من أبي الحسن بن الجندي وأبي القاسم الصيدلاني وعبد الرحمن بن حمة الخلال كتبنا عنه وكان ثقة وولي القضاء بباب الطاق وبحريم دار الخلافة ومات في المحرم سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة‏.‏

الحسن بن أبي الفضل أبو محمد النسوي الوالي

وحدثنـي أبـو محمـد المقـرىء قـال‏:‏ كـان أصحابـه أصحـاب الحديـث إذا جاءوا إلى ابن النسوي يقول‏:‏ ويلكم هذا سمعناه على أن يكون فنينا خير‏.‏

وسمـع ليلـة صوت برادة تحط وكان ذلك في زمان الشتاء فأمر بكبس الدار فوجدوا رجلًا مع امرأة فسألوه من أين علمت فقال‏:‏ برادة لا تكون في الشتاء وإنما هي علامة بين اثنين‏.‏

قـال‏:‏ وأتـى بجماعـة متهميـن فأقامهـم بيـن يديـه واستدعـى بكوز ماء فلما جيء به شرب ثم رمى باكوز من يده فانزعجوا إلا واحدًا منهم فإنه لم يتغير فقـال‏:‏ خـذوه فأخـذوه فكانـت العملـة معه فقيل له‏:‏ من أين علمت فقال‏:‏ اللص يكون قوي القلب‏.‏

وشاع عنه أنه كان يقتل أقوامًا ويأخذ أموالهم وقد ذكرنا فيما تقدم أنه شهد قوم 34 عند أبـي الطيـب الطبـري علـى ابـن النسـوي أنـه قتـل جماعة وأن أبا الطيب حكم بقتله فصانع بمال فرق على الجند وسلم وتوفي في رجب هذه السنة‏.‏

قطر الندى والدة الخليفة القائم بأمر الله هكذا سماها أبو القاسم التنوخي وقال أبو الحسن بـن عبـد السلام‏:‏ أسمها بدر الدجى وقال غيرهما‏:‏ اسمها علم وكانت جارية أرمينية توفيت ليلة السبت الحادي عشر من رجب وقدم تابوتها وقت المغرب فصلى عليها بمن حضر في الرواق

محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن بن علي بن بكران أبو علي بالجازري النهرواني حدث عن المعافى بن زكرياء وغيره وكان صدوقًا وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عمرو بن أبو الفضل البزاز كان من القراء المجودين وسمع أبا القاسم بن حباحة وابن شاهين والمخلص وغيرهم وانتهت الفتوى في الفقه على مذهب مالك إليه وكان ديّنًا ثقة وقبل قاضي أبو عبد الله الدامغاني شهادته وتوفي في محرم هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها أن أرسلـان خاتـون زوجـة الخليفـة حملـت إلـى السلطـان غرلبـك في يوم البساسيري على ما سبق ذكره فأريد ردّها إلى دار الخليفة والسلطان يعد بذلك ولا ينجزه ثم خطب طغرلبك بنـت الخليفة والسلطان يعد بذلك ولا ينجـزه ثـم خطـب طغرلبـك بنـت الخليفـة لنفسـه بعـد مـوت زوجته وكانت زوجته سديدة عاقلة وكان أمره إليها فأوصه قبل موتها بمثل هذا واتفـق أن يقهرمانة الخليفة لوّحت للسلطان بهذا وقد نسب إلى عميد الدولة أيضًا فبعث أبا سعد بن صاعـد يطلـب هـذا فثقـل الأمـر علـى الخليفـة وانزعج منه فأخذ ابن صاعد يتكلم في بيت النوبة بكلـام يشبـه التهدد إن لم تقع الإجابة‏.‏

فقال الخليفة هذا ما لم تجر العادة به ولم يسم أحد من الخلفاء مثله ولكن ركن الدين أمتع الله به عضد الدولة والمحامي عنها وما يجوز أن يسومنا ثم أجاب إجابة خلطها بالاقتراحات التي ظن أنها تبطلها فمنها‏:‏ تسليم واسط وجميع ما كـان لخاتون من الأملاك والأقطاع والرسوم في سائر الأصقاع وثلثمائة ألف دينار عينًا منسوبة إلى المهر وأن يرد السلطان إلى بغداد ويكون مقامه فيها ولا يحدّث نفسه بالرحيل عنها‏.‏

فقـال العميـد أبو الفتح‏:‏ أما الملتمس وغيره فمجاب إليه من جهتي عن السلطان ولو أنه اضعافه فإن أمضيتم الأمر وعقدتم العهد وعقدتم العهد سلم جميعه وأما مجيء السلطان إلى بغداد ومقامـه فيهـا فهـذا أمـر لابد من عرضه عليه وأخذ رأيه فيه‏.‏

وندب للخروج إلى الري في ذلك أبـو محمـد رزق اللـه بن عبد الوهاب وأصحب تذكرة بذلك ورسم له الخطاب على الاستقصـاء فـي الاستعفـاء فـإن تـم فهـو المراد وإلا عرضت التذكرة‏.‏

وأنفذ طراد بن محمد الزينبي نقيـب الهاشمييـن فـي ذلـك أيضـًا وأنفـذ أبـو نصـر غانم صاحب قريش بن بدران برسالة من الخليفة إلى السلطان في معنى قريش وإظهار الرضا عنه والتقدم برد أعماله المأخوذه منه وكان قد بذل للخليفة عند تمام ذلك عشرة آلاف دينار وحلف له الخليفة على صفاء النية وخلوص السيرة والتجاوز عما مضى‏.‏

فلما وصل القوم وقد حملوا الخلع للسلطان فقام حين وضعت بين يديه وخدم ثم استحضروا فـي غـد وطيـف بهـم فـي مجالـس الـدار حتـى شاهـدوا المفـارش والآلـات وقيل لهم‏:‏ هذا كله للجهة الملتمسة وكان من جملة ذلك بيت في صدره دست مؤزر ومفروش بالنسيج ووسطه سماط من ذهب فيه تماثيل المحكم والبلور والكافور والمسك والعنبر يوفي وزن ما في المساط على أربعمائة ألـف دينـار وبيـت مثلـه يوفـي مـا فيـه علـى مائـة ألـف دينـار فـي أشيـاء يطـول شرحهـا فاجتمـع أبـو محمـد التميمـي بعميـد الملـك وفاوضـه فـي ذلـك الأمـر وعـرض عليـه التذكرة لا يحسن عرضها فإن الامتناع لا يحسن في جواب الضراعة ولا المطالبة بالاموال في مقالبة الرغبة في التجمل ومتى طـرق هـذا سمـع السلطـان حتى يعلم أن الرغبة في الشيء لا فيه والإيثار للمال لا له تغيرت نيته وهو يفعل في جواب الإجابة أكثر مما يطلب منه فقال له أبو محمد الأمر إليك ومهما رأيت

فطالع السلطان بذلك فسر وأعلم الأكابر به ثم تقدم إلى عميد الملك بأن 5 يأخذ خط التميمي بذلك فراسله بأن السلطان قد شكر ما أعلمته من خدمتك في هذا الأمر وتقدم بالمسير فيه وأريد أن تكتب خطك بذاك لأطلعـه عليـك فكتـب خطـه بمقتـض الرسالة والتذكرة فشق ذلك على عميد الملك‏.‏

وفـي يـوم الثلاثـاء ثانـي ربيـع الـأول‏:‏ قبـل قاضي أبو عبد الله الدامغاني شهادة الشريف أبي جعفر بن أبي جعفر بن أبي موسى الهاشمي وابي علي يعقوب بن إبراهيم الحنبلي‏.‏

وفي يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى‏:‏ وردت أرسلان خاتون إلى دار الخلافة ومعها عميـد الملـك أبـو نصـر وقاضي الري وفي الصحبة المهر والجهاز الجديد وأمر الوصلة بابنة الخليفة وبعث مائـة ألـف دينـار منسوبـة إلـى المهـر وأشيـاء كثيـرة مـن آلـات الذهـب والفضـة والحلـي والنثـار والجـواري والكـراع وألفـان ومائتـان وخمسـون قطعـة مـن الجوهـر مـن جملتها سبعمائة وعشرون قطعة وزن الواحدة ما بين ثلاثة مثاقيل إلى مثقال فبان للخليفة أن الشروط التي شرطها مع أبي محمد التميمي والاقتراحات لم يكن عنها جواب محرر والمهر إنما حمل منه مائة ألف مثقال وقبح للخليفة الأمر من كل جهة وقيل‏:‏ أنه تشنع فيه ما لا خفاء به إذ كان ما لم تجـر بـه عـادة أحـد مـن الملـك بأحـد مـن الخلفـاء مثلـه فامتنـع من العقد وقال‏:‏ إن أعفيت

وأطلق عميد الملك لسانه بالقبيح وقال‏:‏ قد كان يجب أن يقع الامتناع في أول الأمر ولا يكون اقتراح وتذكره‏.‏

ثم غضب وأخرج نوبه فضربها بالنهروان وسأله قاضي القضاة أبو منصور بن يوسف التوقف وكاتبا الخليفة وأرهباه وساقا الأمـر إلـى العقـد علـى أن يشهـد عميـد الملـك وقاضـي الـري بحكـم وكالتهـا في هذا الأمر على نفوسها أنهما لا يطالبان بالجهة المطلوبة مدة أربع سنيـن ثـم استفتـى الفقهاء في ذلك فقال الحنفيون‏:‏ العقد يصح والشرط يلغو وقال الشافعيون‏:‏ العقد يبطل إذا دخله شرط‏.‏

ووصـل عميـد الملـك إلـى الخليفـة فـي ليلـة الجمعـة ثامـن جمادى الآخرة فوعظه ونهاه عما قد لج فيه فقال‏:‏ نحن نحضر جماعة من الواردين صحبتك ونرد هذا الأمر إلـى رأيـك وتدبيـرك فيظهـر جلوسنا وإجابتنا للخاص والعام وتكفينا أنت بحسن نياتك في هذا الأمر في هذا الأمر في الباطن ففيه الغضاضة والوهن ولم تجر لبني العباس بمثله عادة من قبل‏.‏

وجـاء كتـاب مـن السلطان إلى عميد الملك يأمره بالرفق وأن لا يخاطب في هذا الأمر إلا بالجميل وذلك في جواب كتاب من الديوان إلى خمارتكين يشكو فيه مما يجري من عميد الملك ويؤمر بإطلاع السلطان عليه فعاد جواب خمارتكين أن السلطان غير مؤثر لشيء مما يجري ولا يكرهه على هذه الحال فبقيت الحال على ما هي عليه وعميد الملك يقول ويكثـر والخليفـة يحتمـل يصبـر وجـاء يومًا إلى الديوان بثياب بيض وتوسط الأمر على أن كتب الخليفة لعميد الملك‏:‏ إننا قد استخلفناك على هذا الأمر ورضينا بك فيما تفعله مما يعود بمرضاتنا ومرضاة ركن الدين فاعمل في ذلك برأيك الصائب الموفق تزجية للحال ودفعًا بالأيام وترقبًا لأحد أمرين‏:‏ إما قناعة السلطان بهذا الأمر أو طلب الإتمام فلا يمكن المخالفة‏.‏

ثم دخل عميد الملك يومًا إلى الخليفة ومعه قاضي القضاة وجماعة من الشهود وقال‏:‏ أسال مولانـا أميـر المؤمنيـن التطـول بذكر ما شرف به ركن الدين الخادم الناصح فيما رغب فيه وسمت نفسه إليه ليعرفه الجماعة من رأيه الكريم وأراد أن يقول الخليفة ما يلزمه به الحجة بالإجابة‏.‏

ففطن لذلك فقال‏:‏ قد شرط في المعنى ما فيه كفاية والحال عليه جارية‏.‏

فانصرف مغتاظًا ورحل في عشية يوم الثلاثاء السادس والعشرون من جمادى الآخرة ورد المال والجواهر والآلات إلى همذان وبقي الناس وجلين من هذه المنازعة‏.‏

وفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى على ساعتين منه‏:‏ انكسفت الشمس جميعها وأظلمت الدنيا وشوهدت الكواكب كلها وسقطـت الطيـور فـي طيرانهـا وكـان المنجمـون قـد زعموا أنه يبقى سدسها فلم منها شيء وكان انجلاؤها على أربع ساعات وكسر ولم يكن وفي رجب‏:‏ ورد رسول من عميد الملك يذكر أن كتاب السلطان ورد عليه بأن الخليفة إن لم يجـب إلـى الوصلـة التـي سألناهـا فطالبـه بتسليـم أرسلـان خاتـون إليك وأعدها معك لأسير بنفسي وأتولى الخطاب على هذا وإنه أراد العود من الطريق لفعل ما رسم له من هذا فخاف أن لا ينضبط له العسكر إذا عادوا إلى بغداد ويقول‏:‏ إني قد أعـدت هـذا الرسـول لحمـل أرسلـان خاتون إلى دار المملكة الى حين اجتماعي بالسلطان وإصلاح هذه القصة وكاتـب أرسلـان بمثـل ذلـك وبانتقالهـا عـن الـدار فتجـدد الإنـزاع والخـوف ودافـع الخليفـة عن الجواب وتبسط أصحاب في أشياء توجب خرق الحرمة فأظهر الخليفة الخروج من بغداد وتقدم بإصلاح الطيار فحل صفره ورم شعثه وانزعج الناس من ذلك وخافـوا فنـودي فيهـم أنـه مـا يبـرح فسكتـوا ثـم جاء أمر السلطان إلى شحنته ببغداد يأمره بما يوجب دفع المراقبة وقيـل فـي ذلـك وهـذا فـي عـن الـدار العزيـزة والمقـام في دار المملكة إلى أن يرد من يسيرها وأدخلوا أيديهم في الجواري فروسلوا بأن هذا يقبح فأمسكوا‏.‏

وفـي يـوم الخميـس لأربـع بقيـن مـن رجـب‏:‏ خلـع فـي بيـت النوبـة على طراد الزينبي وردت إليه نقابة العباسييـن وتقلـد نقابـة الطالبييـن أبو الفتح أسامة بن أبي عبد الله بن أحمد بن أبي علي طالب العلوي وانحدر من بغداد إلى البصرة واستخلف ببغداد أخاه أبا طالب وضمن أبو إسحاق إبراهيم بن علان اليهودي جميع ضياع الخليفة من واسط إلى صرصر مدة سنة واحدة بستة وثمانين ألف دينار وسبعة عشر ألف كر وسبع مائة كر‏.‏

وفي سابع رمضان‏:‏ رأى إنسان زمن طويل المرض من نهر طابق رسوله الله صلى الله وعليه وسلـم فـي المنـام قائمـًا مـع أسطوانـة وقـد جـاءه ثلاثـة أنفـس فقالـوا له‏:‏ قم فإن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قائم فقال لهم أنا زمن ولا يمكنني الحركة فقالوا‏:‏ هات يدك‏.‏

وأقاموه فأصبح معافى يمشي في حوائجه ويتصرف في أموره‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن مروان أبو نصر الكردي صاحب ديار بكر وميافارقين لقبه القـادر‏:‏ نصـر الدولـة فاستولـى علـى الأمـور بديـار بكـر وهـو ابـن اثنتيـن وعشرين سنة وعمّر الثغوروضبطها وتنعم تنعمًا لم يسمع به عن أحد من أهل زمانه وملك مـن الجـواري والمغنيـات مـا اشتـرى بعضهـن بخمسـة آلـاف دينـار واشتـرى منهـن بأربعة عشر ألفًا وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن وخمسمائة خادم وكان يكون في مجلسه

من آلات الجواهر ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار وتزوج من بنات الملوك جملة وكان إذا قصـده عـدو يقـول‏:‏ كـم يلزمنـي مـن النفقـة علـى قتال هذا فإذا قالوا‏:‏ خمسون ألفًا بعث بهذا القدر أو مايقع عليه الاتفاق وقال‏:‏ أدفع هذا إلى العدو وأكفه بذلك وآمن على عسكره من المخاطرة وأنفذ السلطان طغرلبك هدايا عظمية ومنها‏:‏ الجبل الياقوت الذي كان لبني بويه واتباعه من ورثـة الملـك أبـي منصـور بن أبي طاهر وأنفذ مع ذلك مائة ألف دينار عينًا ووزر له أبو القاسم المغربي نويتين ووزر له أبو نصر محمد بن محمد بن جهير ورجت الأسعار في زمانه وتظاهر الناس بالأموال ووفد إليه الشعراء وسكن عنده العلماء والزهاد وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد فتقدم بفتح الأهراء وأن يطرح لها مـن الحـب مـا يشبعهـا فكانت في ضيافته طول عمره تـوف في هذه السنة عن سبع وسبعين وقيل عبر الثمانين سنة وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة‏.‏